محمد أبو زهرة

1548

زهرة التفاسير

مفردات الأصفهاني : « الفكرة قوة مطرقة للعلم ، والتفكر جولان تلك القوة بحسب نظر العقل ، وذلك للإنسان دون الحيوان ، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب ، ولهذا روى : « تفكروا في آلاء اللّه ، ولا تفكروا في اللّه ، إذ كان اللّه منزها عن أن يوصف بصورة . . » « 1 » قال بعض الأدباء : ( الفكر مقلوب عن الفرك ، لكن يستعمل الفكر في المعاني ، وهو فرك الأمور وبحثها طلبا للوصول إلى حقيقتها ) . والتفكر في السماوات والأرض له ثلاث درجات بعضها أعلى من بعض ، أدناها أن ننظر إلى السماء وما فيها من نجوم وكواكب وشمس وقمر وأبراج ، وما فيها من نظام بديع محكم ، وهذه هي النظرة العامة التي تكون لذوي الألباب وغيرهم ؛ لأن هذه النظرة أساس الحس وإشراق المحسوس . والمرتبة الثانية التفكر في خلقها وأسرار وجودها ونواميسها وقوانينها ، وهذا ما يفكر فيه علماء الكونيات الذين يعرفون ما اشتمل عليه الكون من قوى وما أودعها الخالق من أجرام وقوانين لسيرها . المرتبة الثالثة وهي أعلاها ، وهي النظرة التي تتجه إلى الخالق من وراء المخلوق ، فيتدبر الكون وما فيه ليدرك عظمة المبدع ، فيتعرف من جمال الصنعة جلال الصانع ، وهذا النوع هو المذكور في هذه الآية وهو أعلى مراتب العبادة ، وقد روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا عبادة كالتفكر » « 2 » وقد كان بعض الصحابة يقول : « إن ضياء الإيمان التفكر » . وإن هذا النوع الأخير من التفكر يجعل القلب يخضع واللسان يخشع فينطق مستشعرا عظمة اللّه قائلا : رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ .

--> ( 1 ) جاء في الفتح الكبير ( 5430 ) ج 2 ، ص 310 : تفكّروا في كلّ شيء ولا تفكّروا في ذات الله تعالى فإنّ بين السّماء السّابعة إلى كرسيّه سبعة آلاف نور وهو فوق ذلك ( أبو الشيخ في العظمة ) عن ابن عباس . وذكره الحافظ ابن حجر في الفتح ( باب ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله ) : جاء في كتاب السنة لعبد الله بن أحمد - من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس : « تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله ؛ فإن بين السماوات والأرض سبعة آلاف نور وهو فوق ذلك » موقوف وسنده جيد . ( 2 ) رواه القضاعي في مسند الشهاب ج 2 ، ص 39 : ( 838 ) .